الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
62
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
إنه غني على الإطلاق ، وحميد من كل جهة ، لأن كل موهبة في هذا العالم تعود إليه ، وكل ما يملكه الإنسان فإنه صادر منه وخزائن كل الخيرات بيده ، وهذا دليل حي على غناه . ولما كان " الحمد " بمعنى الثناء على العمل الحسن الذي يصدر عن المرء باختياره ، وكل حسن نراه في هذا العالم فهو من الله سبحانه ، فإن كل حمد وثناء منه ، فحتى إذا مدحنا جمال الزهور ، ووصفنا جاذبية العشق الملكوتي ، وقدرنا إيثار الشخص الكريم ، فإننا في الحقيقة نحمده ، لأن هذا الجمال والجاذبية والكرم منه أيضا . . إذن فهو حميد على الإطلاق . ثم تجسد الآية التالية علم الله اللامحدود من خلال ذكر مثال بليغ جدا ، وقبل ذلك نرى لزوم ذكر هذه المسألة ، وهي - طبقا لما جاء في تفسير علي بن إبراهيم : إن قوما من اليهود عندما سألوا النبي ( صلى الله عليه وآله ) حول مسألة الروح ، وأجابهم القرآن بأن قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا صعب هذا الكلام عليهم ، وسألوا النبي ( صلى الله عليه وآله ) : هل أن هذا في حقنا فقط ؟ فأجابهم النبي ( صلى الله عليه وآله ) : " بل الناس عامة " ، قالوا : فكيف يجتمع هذا يا محمد ؟ ! أتزعم أنك لم تؤت من العلم إلا قليلا ، وقد أوتيت القرآن وأوتينا التوراة ، وقد قرأت : ومن يؤت الحكمة - وهي التوراة - فقد أوتي خيرا كثيرا هنا نزلت الآية ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلام . . . - الآية مورد البحث - وأوضحت أن علم الإنسان مهما كان واسعا فإنه في مقابل علم الله عز وجل ليس إلا ذرة تافهة ، والذي يعد كثيرا في نظركم ، هو قليل جدا عند الله ( 1 ) . وقد بينا نظير هذه الرواية عن طريق آخر في ذيل الآية ( 109 ) من سورة الكهف .
--> 1 - تفسير البرهان ، الجزء 3 ، صفحة 279 .